المقريزي

223

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

مماتهم كما تميزوا عنهم في حياتهم وتوخوا أن يبقى ذكرهم بسببها على تطاول الدهور وتراخي العصور . ولما وصل الخليفة المأمون إلى مصر أمر بنقبها ، فنقب أحد الهرمين المحاذيين للفسطاط بعد جهد شديد وعناء طويل ، فوجدوا داخله مهاوي ومراقي يهول أمرها ويعسر السلوك فيها ، ووجدوا في أعلاها بيتا مكعبا طول كل ضلع من أضلاعه ، نحو من ثمانية أذرع ، وفي وسطه حوض رخام مطبق ، فلما كشف غطاؤه لم يجدوا فيه غير رمّة بالية قد أتت عليها العصور الخالية ، فعند ذلك أمر المأمون بالكف عن نقب ما سواه ، ويقال : إن النفقة على نقبة كانت عظيمة والمؤونة شديدة . ومن الناس من زعم : أنّ هرمس الأوّل المدعوّ بالمثلث ، بالنبوّة والملك والحكمة ، وهو الذي تسميه العبرانيون : خنوخ بن يزد بن مهلايل بن قينان بن آنوش بن شيث بن آدم عليه السلام ، وهو إدريس عليه السلام استدل من أحوال الكواكب على كون الطوفان يعمّ الأرض ، فأكثر من بنيان الأهرام وإيداعها الأموال وصحائف العلوم ، وما يشفق عليه من الذهاب والدروس حفظا لها واحتياطا عليها . ويقال : إن الذي بناها ملك اسمه : سوريد « 1 » بن سهلوق بن سرياق ، وقال آخرون : إن الذي بنى الهرمين المحاذيين للفسطاط شدّاد بن عاد ، لرؤيا رآها ، والقبط تنكر دخول العمالقة بلد مصر ، وتحقق أن بانيها سوريد لرؤيا رآها ، وهي أن آفة تنزل من السماء وهي الطوفان ، وقالوا : إنه بناهما في مدّة ستة أشهر ، وغشاهما بالديباج الملوّن ، وكتب عليهما : قد بنيناهما في ستة أشهر قل لمن يأتي من بعدنا يهدمهما في ستمائة سنة ، فالهدم أيسر من البنيان ، وكسوناهما الديباج الملوّن ، فليكسهما حصرا ، فالحصر أهون من الديباج ، ورأينا سطوح كل واحد من هذين الهرمين ، مخطوطة من أعلاها إلى أسفلها بسطور متضايقة متوازية من كتابة بانيها ، لا تعرف اليوم أحرفها ولا تفهم معانيها ، وبالجملة الأمر فيها عجيب ، حتى أن غاية الوصف لها والإغراق في العبارة عنها ، وعن حقيقة الموصوف منها بخلاف ما قاله عليّ بن العباس الروميّ ، وإن تباعد الموصوفان وتباين المقصودان إذ يقول : إذا ما وصفت امرأ لامرىء * فلا تغل في وصفه واقصد فإنّك إن تغل تبد الظنو * ن فيه إلى الغرض الأبعد فيصغر من حيث عظمته * لفضل المغيب على المشهد ويقال : إنّ المأمون أمر من صعد الهرم الكبير أن يدلي حبلا فكان طوله ألف ذراع بالذراع الملكيّ ، وهو ذراع وخمسان ، وتربيعه أربعمائة ذراع في مثلها ، وكان صعوده في

--> ( 1 ) سوريد بن سهلوق : أحد ملوك مصر قبل الطوفان .